القرطبي

61

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ( 1 ) " وقال : " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ( 2 ) " ، وقال : " ولا يكلمهم ( 3 ) الله " ، وقال : " إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( 4 ) " . قلنا : القيامة مواطن ، فموطن يكون فيه سؤال وكلام ، موطن لا يكون ذلك فيه . قال عكرمة : القيامة مواطن ، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها . وقال ابن عباس : لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا ، لان الله عالم بكل شئ ، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم : لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه ؟ واعتمد قطرب هذا القول . وقيل : " لنسألنهم أجمعين " يعنى المؤمنين المكلفين ، بيانه قوله تعالى : " ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ( 5 ) " . والقول بالعموم أولى كما ذكر . والله أعلم . قوله تعالى ، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ( 94 ) إنا كفيناك المستهزئين ( 95 ) قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر ) أي بالذي تؤمر به ، أي بلغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم ، فقد أمرك الله بذلك . والصدع : الشق . وتصدع القوم أي تفرقوا ، ومنه " يومئذ يصدعون ( 6 ) " أي يتفرقون . وصدعته فانصدع أي انشق . أصل الصدع الفرق والشق . قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه : وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع ( 7 ) أي يفرق ويشق . فقوله : " اصدع بما تؤمر " قال الفراء : أراد فاصدع بالامر ، أي أظهر دينك ، ف " ما " مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر . وقال ابن الأعرابي : معنى اصدع بما تؤمر ، أي اقصد . وقيل : " فاصدع بما تؤمر " أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب البعض ، فيرجع الصدع على هذا إلى صدع جماعة الكفار .

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 315 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 173 . ( 3 ) راجع ج 2 ص 234 . ( 4 ) راجع ج 19 ص 257 . ( 5 ) راجع ج 20 ص 174 . ( 6 ) راجع ج 14 ص 21 . ( 7 ) الربابة : الجلدة التي تجمع فيها السهام . واليسر : صاحب الميسر الذي يضرب بالقداح .